ابن عجيبة

107

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ثم ذكر وعيد أهل الشرك ، فقال : [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 22 إلى 24 ] وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ( 22 ) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ ( 23 ) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ( 24 ) قلت : لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا ، من قرأ بالرفع والتأنيث : ففتنة اسمها ، و ( إلّا أن قالوا ) : خبرها ، ومن قرأ بالنصب : فخبر مقدم ، والتأنيث لأجل الخبر ، ومن قرأ بالتذكير والنصب ، فخبر مقدم ، و ( إلّا أن قالوا ) : اسمها . يقول الحق جل جلاله : وَ اذكر يا محمد يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ أي : المشركين ، جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ أي : آلهتكم التي جعلتموها شركاء لله ، الَّذِينَ كُنْتُمْ تزعمونهم شركاء ، وتودونها وتنتصرون لها ، فيحال بينهم وبينها ، ويتبرأون منها ، كما قال تعالى : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ أي : لم تكن عاقبة كفرهم الذي افتتنوا به ، إلا التبرؤ منه ، بعد الانتصار له والتعصب عليه ، أو : لم يكن جواب اختبارهم إلا التبرؤ من الشرك ، فيكذبون ويحلفون عليه ، مع علمهم بأنه لا ينفع من فرط الحيرة والدهشة . فإن قلت : كيف يجحدون مع قوله : وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً « 1 » فالجواب : أن ذلك يختلف باختلاف الطوائف والمواطن ، فيكتم قوم ويقر آخرون ، ويكتمون في موطن ويقرون في موطن آخر ؛ لأن يوم القيامة طويل ، وقال ابن عباس لمّا سئل عن هذا : ( إنهم جحدوا ، طمعا في النجاة ، فختم اللّه على أفواههم وتكلمت جوارحهم ، فلا يكتمون حديثا ) . قال تعالى : انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ بنفي الشرك عنها بعد تحققها به ونظيره قوله : يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ « 2 » وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ « 3 » أي : غاب عنهم ما كانوا يعبدونه من الشركاء افتراء على اللّه . الإشارة : من أحب شيئا فهو عبد له ، ويوم القيامة يتبرأ منه ، ويرى وبال فتنته والاشتغال به ، فينبغي لمن أراد السلامة من الفتنة ، أن يفرد محبته لله ، ويتبرأ من كل ما سواه ، ويفرد وجهته لله ، ولا يشتغل ظاهرا ولا باطنا إلا

--> ( 1 ) من الآية 42 من سورة النساء . ( 2 ) من الآية : 18 من سورة المجادلة . ( 3 ) من الآية : 42 من سورة يونس .